عفيف الدين التلمساني

36

شرح مواقف النفري

المحو ، إلا أن معنى التنزيل محطه على شيء وهو أن العبد في سلوكه يهون عليه كل شيء إلا أن يفقد نفسه لأن العبيد أصحاب حظوظ ، وإنما يريدون بالسلوك إلى اللّه تعالى أن يحظوا بالدرجات العلى ، وتحصيل الربح والكسب في الآخرة والأولى ، وإذا تحقق أن طريقة ذلك بفقد الأنانية تعين له ذهاب رأس المال فضلا عن الكسب ، ولا يقدر على هذا المطلوب إلا قوم خرجوا عن نفوسهم لا لمعنى يطلب البتة بل كان عندهم عشق يحثهم لا يقدرون على مدافعته ، ويجدون انعدامهم أحلى عندهم من بقاء أنفسهم فيه فلذلك رأى أبو يزيد أن الحظوظ تدل على بقاء النفس ، فقال : « أريد أن لا أريد » . وقال الحلاج : بيني وبينك إني ينازعني * فأصرف بإنّك إنّي من البين فطلب أن يغلب عليه قسط الحق فيه ، فتنعدم أنانيته ، ولا تبقى إلا أنانية سيده المنزهة عن حضور الأغيار ، فهؤلاء هم الذين يصبرون على تعرفه بمحوهم ، ويصبرون على مداومته بفقد وجدهم نفوسهم . قوله : ( وقال لي : الأنوار من نور ظهوري بادية ، وإلى نور ظهوري آفلة ) . قلت : يعني بالأنوار الموجودات ، وهي المتعينات من الموجودات ، فإن الموجودات بأسرها إنما هي تجلياته في طور ظهوره ، فإذا اعتبرتها من حيث الوجود كانت أنوارا بادية من نور ظهوره وهي كما قلنا المتعينات . وإذا اعتبرتها من حيث التعينات وهي الامتيازات العدمية فهي الظلم ، ومن تلك الجهة لا يعرف الحق من سلك إليه من قياس الغائب على الشاهد من حيث التعينات ، ومن سلك إليه من حيث المتعينات لا من حيث ما يتمايز به بل من حيث الوجود وهو واحد فإن الطريق موصل ، وذلك أن يرى أن هذه الأنوار منه بدت وإليه تعود ، فإن شاء أخذ المولدات بالتحليل فردها إلى الأركان الأربعة ، فانعدمت صورها وتعيناتها ورجعت إلى الغيب ، وإن كانت ما ظهرت قط فإن الذي ظهر إنما هو المتعينات أنفسها وتعيناتها أمور اعتباريّة يثبتها الذّهن عند المقايسات الذّهنية ، وهذا إدراك شريف إلا أني لم أر في عمري من يشهده تماما ، ثم إن أراد حلل أيضا الأركان الأربعة إلى بسيطها بلا صورة فينحل ذلك إلى ما يسميه الفلاسفة « الهيولى » وهي